الهجرة النبوية والدروس التربوية والدعوية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الهجرة النبوية والدروس التربوية والدعوية

مُساهمة من طرف منى خليفة في الإثنين يناير 07, 2008 10:15 pm

الهجرة النبوية والدروس التربوية والدعوية لا جدال في أن الهجرة النبوية ـ على صاحبها أفضل صلاة وأكمل تسليم ـ تمثلمرحلة من أهم مراحل الدولة الإسلامية وأخطرها. فهي مرحلة انتقالية لإثباتوجودها سياسياً وعقائدياً؛ فالمرحلة المكية على مسار ثلاثة عشر عاماً،كانت لإثبات العقيدة.. بل وتثبيتها في أذهان أتباعها، من ناحية ـ ومنناحية أخرى ـ لتعرية عقيدة الجاهلية ـ وبضدها تُعرف الأشياء ـ كمايقولون. أضف إلى ذلك أن المرحلة المكية، كان لا بد منها، لصقل إيمان أتباعها،ليكونوا نواة المستقبل للدولة الإسلامية، وكانت توجيهات القرآن، وتوجيهاتالرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه- للنواة الأولى من أتباع الدعوة، تقومعلى أساس الثقة في الله ـ عز وجل ـ والنصيحة في مواجهة ما يلحقهم من أذىبالغ من الضراوة والشراسة، ولعلنا نلمس ذلك من موقف لا نكاد نذَّكره. حيثكان رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ يمر على آل ياسر وهم يُعذّبون،فيقول لهم: "صبراً آل ياسر.. فإن موعدكم الجنة"، واستجابوا، وكانت أمعمار أول شهيدة في الإسلام. وفي صحيح البخاري عن خباب بن الأرت ـ رضيالله عنه ـ قال: "شكونا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو متوسدبردة له في ظل الكعبة ـ فقلنا: "ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟." فقال:"قد كان مَن قبلكم يُؤخذ الرجل، فيحفرون له في الأرض، فيُجعل فيها.. ثميُؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد مادون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه.. والله ليُتمنّ الله هذا الأمر، حتىيسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه،ولكنكم تستعجلون"! إن إرادة الله ـ عز وجل ـ اقتضت أن يكون الإسلام ديناً، يصحح مسار العقولالتي حادت عن الطريق السويّ، ويصحح مسار الحياة البشرية التي شملتهاالفوضى، بعد أن تحوّلت إلى غابة شاسعة، يفترس القوي فيها الضعيف، وأنيكون الإسلام دولة، تقيم العدل بعد أن اختلت موازينه، وتؤازر الحق، بعدأن أصبح مضغة في أفواه الباطل، فالعالم يومئذ تحكمه إمبراطوريتان،إحداهما صليبية تنكبت مبادئ المسيحية، والأخرى وثنية تمتهن العقل، أعنيإمبراطوريتي: فارس والروم، وبذلك يكون الإسلام بدولته ضرورة لإنقاذالبشرية من الوحل، وكانت الهجرة البشرية هي البداية لإقامة دولته. يرى الشيخ محمود شلتوت ـ شيخ الأزهر الأسبق ـ في دراسته:"الإسلام والوجودالدولي للمسلمين" العدد الثالث من "سلسلة الثقافة الإسلامية" التي كنتأصدرتها (1958 ـ 1965 )! أن حادثة الهجرة، كانت نقطة تحوّل في تاريخالبناء الإسلامي، لتقوم فوق الأرض الجديدة ـ يثرب ـ دولة ذات منهج ونظاموهدف، والهجرة من الأحداث الفذة التي كانت تمهيداً لتثبيت البناءالإسلامي، وميلاد دولة داخل إطار من القوة، وبذلك أصبحت (الهجرة) منالأحداث الإسلامية الكبرى التي يجب أن تحمل العظمة في نفس كل مسلم. ويضيف الشيخ: "وقد عُني المؤرخون كثيراً ـ وهم يتكلمون على هذا الحدث ـبذكر حوادث الإيذاء التي كانت تتصل بالرسول وأصحابه الذين لبّوا دعوته،ومن هنا ألبسه أرباب الهوى الخاص ـ وهم يكتبون سيرة (النبي العربي) ـ ثوبالفرار وعدم الصبر والاحتمال في القيام برسالته، ولم يتورّعوا ـ إمعاناًفيما يشتهون ـ أن يلصقوا كلمة (النبي الفار) وقد ظنوا أن هذا الثوبالمهلهل الذي خلعوه على هذا الحادث العظيم، يستطيع أن يستر الحقيقة التييحملها بين جنبيه، والتي لم تلبث ـ بعد الوصول إلى المدينة، أن سطعنورها، وانتشر أريجها، وبدأت الغشاوة التي وضعها الجهل على العقل البشريحيناً من الدهر، والواقع أن هذه الهجرة (البدنية) لم تكن إلا أثراً منآثار هجرة القلوب، عما كان عليه القوم من عقائد فاسدة، وشرائع باطلة،وعقائد وتقاليد، كان لها في هدم الإنسانية، ما ليس للمعاول القوية فيتقويض البناء الشامخ العنيد". وأقول: إن الهجرة كانت لتأكيد عالمية الإسلام، وهي حقيقة حاول بعضالمستشرقين ذوي الأهواء أن يطمسوها، متجاهلين ما أقره القرآن ـ كتاب اللهـ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ـوقد تصدى عملاق الأدب الأستاذ العقاد لقوله تعالىSad وَكَذَلِكَأَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىوَمَنْ حَوْلَهَا...).[الشورى: 7] لتنذر أم القرى ومن حولها، يقول:"وأياًكان القول في اللغة التي تكلم بها النبي، وفي صلاح هذه اللغة للدعوةالعالمية، فإن النوع الإنساني يشمل أم القرى (مكة) وما حولها، ولا تعتبرهداية أهلها عزلاً لهم عمن عداهم من الناس؛ إذ كان خطاب الناس كافة يمنعأن يكون الخطاب مقصوراً على (أم القرى) ومن حولها، ولكن خطابه (أم القرى)ومن حولها، لا يمنع أن يعم الناس أجمعين.. فكيف يسيغ العقل أن يكون صاحب الدعوة المحمدية ـ خاتم النبيين ـ إذا كانترسالته مقصورة على قوم لم يأتهم من قبل نذير؟! إن طائفة من المستشرقينتسيغ ما لا يسيغه العقل في أمر القرآن وأمر الإسلام". ظهر حديثاً للشيخ عبد الجواد أحمد عبد المولى-الإمام والخطيب والمدرسبالأوقاف ـ كتاب يحمل عنوان "الدروس التربوية الدعوية من الهجرة النبوية"في زهاء مائتي صفحة من القطع الكبير، أشار في المقدمة إلى أن ما أراده منكتابه: دعوة للتفكر والتدبر، لبعض صفحات التاريخ الإسلامي، وبخاصة تاريخالرسول وجهاده في هجرته، لنتعرف على سنن الله في خلقه، وسننه في أرضه،وسنن الله الثابتة لا تقبل تبديلاً ولا تحويلاً، والهجرة تبين لنا كيفأخذ المصطفى ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بالأسباب الأرضية، وتوكل ـ فينفس الوقت ـ على الله، ولا تضادّ بينهما ـ وقد تعامل سلف هذه الأمة معالسنن الكونية، فسادوا العالم، ولم يع الخلف هذا المعنى، مما جعل الأمةاليوم في حال يُرثى لها.. وما عرض له المؤلف: ـ الهجرة النبوية المحمدية لم تكن بدعة، بل سنة قديمة، فقد هاجر منأنبياء الله: إبراهيم ولوط وموسى عليهم السلام. ـ أسباب الهجرة: ذكر المؤلف الأسباب التقليدية التي سجلتها كتب السيرة،وكنت أود أن يهتم بمسألة ذات أهمية خاصة، وهي أن الهجرة كانت استجابةلأمر الله، ولم تكن مجرد خاطرة خطرت على بال الرسول ـ صلوات الله وسلامهعليه ـ فراراً من الأذى، فالله ـ عز جل ـ هو الذي قدر بعد أن حققت الدعوةأهدافها في مكة التي لم تكن تصلح لإقامة دولة. ـ عوامل نجاح الهجرة: وضوح الهدف، المعرفة، اختيار الوقت المناسب، ولعاملالتوقيت أهمية متنامية في عملية التخطيط، القدرة على مواجهة الظروفالمتغيرة، إخلاص القائمين على التنفيذ، التهيئة والإعداد النفسي، ونسيالمؤلف: عناية الله، وهي الأساس وفوق كل شيء. ـ مظاهر نجاح الهجرة: خسرت قريش موازين القوى التي توارثتها على مدى قرونوزال عنها سلطانها، لم تعد قريش حاجزا في وجه الدعوة الإسلامية، إذاأسقطت الهجرة هيبتها من نفوس المستضعفين الخائفين.. ذكر المؤلف في شجاعة أن الكتاب: جمع وإعداد، وليس تأليفاً، وهذا يعفيه منالنقد، ويُحمد له، أن قدم لنا معاني كانت في حاجة إلى التحليل، الذي خلتمنه بعض كتب التراث التي اهتمت بسرد الأحداث، لكنها حفظت لنا أهم حدث فيتاريخ الدعوة الإسلامية. إن الهجرة حفلت بالكثير من المؤلفات عدا مادونته كتب السيرة قديماً وحديثاً، وهذا ما جعل مهمة من يكتب عن الهجرةشاقة؛ إذ لا بد من أن يضيف جديداً، ونجح المؤلف جهد استطاعته. ويُؤخذ على هذه الدراسة: أن المؤلف خرج على الموضوع الأساسي أحياناً،صحيح أن ما زاده تضمن معاني جديرة بالاهتمام، كذلك كنا نود أن يربطالهجرة النبوية بالواقع المعاصر، وقد أصبحت الأمة المسلمة التي أرادهاالله خير أمة أخرجت للناس ـ عاجزة حتى عن الدفاع في مواجهة التحدياتالشرسة، وذلك بعد أن كانت رأساً، و أصبحت تابعاً بعد أن كانت متبوعاً،وبقي أن نقول: إن المؤلف بذل جهداً كبيراً وشاقاً، وقدم لنا دراسة معاصرةيحتاجها الشباب قبل الشيوخ. وبقي سؤال يطرح نفسه، وفي أسى مرير: أين اليوم من الهجرة التي لم تكننقطة تحول في تاريخ دعوة المسلمين ـ وحسب ـ بل كذلك أرادها الله ـ عز وجلـ منهجاً ومعنى وبرنامج عمل للمسلمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها،ودرساً يجب أن يعيه المسلم في كل زمان ومكان.. فهل يليق بنا ألاّ نذكرالهجرة إلا أياماً معدودات في كل عام: أحاديث ومقالات يغلب عليها التكرارشبه الممل، ثم ننساها بعد ذلك؟ وحسبنا هنا أن نتوقف عند قضية لها أهميتها، أعني قضية ـ أو محنة ـالأقليات المسلمة في شتى بقاع المعمورة، والعديد من هذه الأقليات تُشنعليها حروب إبادة شرسة، كما في الفلبين وبورما وتايلاند، وغيرها، إن كتابالله تعالى كتب علينا الجهاد من أجل إخوة لنا في العقيدة مستضعفين فيالأرض، وفي سورة النساء ـ Sad وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِاللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِوَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِالْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَوَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً). [النساء:75]. ولاجدال في أن الجهاد هنا فرض عين لا فرض كفاية، وإذا كان عقد الأمةالإسلامية اليوم قد انفرط، ولم يكن للدولة الإسلامية وجود.. نملك السلاحلا لنقاتل به الأعداء، بل ليقاتل به المسلم أخاه المسلم. دونما اعتبارلتحذير الرسول صلى الله عليه وسلم لنا في خطبة الوداع:"لا ترجعوا بعديكفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" وقوله في الصحيح المتفق عليه: "إذا التقىالمسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا يا رسول الله: هذاالقاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه". أقول إذا كنا عاجزين عن الجهاد المسلح، فلماذا لا نلجأ إلى سلاح آخر:جهاد المقاطعة، وهو سلاح له خطورته، وإذا كان هذا السلاح تقرر بالنسبةللثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك وهم مسلمون، فمن باب أولى المعتدون علىإخواننا من غير المسلمين، والمفاجأة التي ترتجّ لها السماوات السبع. هيأننا أصبحنا أصدقاء لأعدائنا، نمنحهم الولاء، ضاربين عرض الحائط بقولهتعالى محذراً في سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاتَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْأَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِيقُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْتُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْأَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْنَادِمِينَ). [المائدة:51-52]. وأخيراً.. وليس آخراً: فليتنا نعي اليومكلمات الشيخ شلتوت ـ رحمه الله-: "كانت الهجرة من بين الأحداث كلها جديرةأن تتجه إليها الأنظار، ويُتّخذ منها مبدأ للتاريخ الإسلامي، ليكونللمسلمين من ذكراها في كل عام، ومن التوقيت بها في مكاتباتهم وعقودهموأحداثهم العامة والخاصة درس متصل الحلقات، يساير حياتهم كلها". وللهالأمر من قبل ومن بعد. ................................................ الأستاذ : محمد عبد الله السمان. المصدر : موقع إلا رسول الله.
avatar
منى خليفة
مشرف
مشرف

عدد الرسائل : 98
تاريخ التسجيل : 17/10/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى